مؤسسة آل البيت ( ع )

79

مجلة تراثنا

ليستشيرهم في صحة المنقولات عموما وفي ما سمعه عمن ائتمنه ووثق به خصوصا ( 1 ) ، لا أن يبيد مدونته وأن يأمر بمنع التحديث عموما . فجملة : " لا تحدثوا شيئا " تفيد النهي الشامل عن كل الأحاديث ، ولا تختص بالنهي عن تناقل أحاديث الإمامة والخلافة فقط ، لأن مجئ النكرة " شيئا " بعد النهي " لا تحدثوا " يفيد العموم ، ومعناه أن الخليفة لا يرتضي التحديث بشئ سوى القرآن . فلو كان الخليفة يريد التثبت حقا لقال : " تثبتوا في نقلكم عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لكثرة الكذبة عليه " ، أو : " لا تحدثوا بكل شئ سمعتموه من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلا بعد التثبت " . . وغيرها ، فعدم صدور هكذا نصوص عنه ، بل أمره بالمنع عن التحديث عموما ، وإحراقه لمدونته - كما في الخبر الآتي - يدل على أن الأمر لا يرتبط بالتثبت ، بل وراؤه أمر آخر ! لأن منهج المتثبت يدعو إلى الحفظ لا الإبادة ! فإن فعله ( الإحراق ) ، ودعوته إلى ترك التحديث ( لا تحدثوا ) ، يؤكدان بما لا يقبل التشكيك حقيقة أن الخليفة بصدد منع التحديث والتدوين معا والاكتفاء بالقرآن ، وقد عرفت أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان لا يرتضي هذا الفعل ممن يخلفه ، لقوله : " لا أعرفن " ، و " لا ألفين " ، وقوله : " ألا إن ما حرم رسول الله كما حرم الله " ، وقوله : " ألا إن كلامي هو كلام الله " . فالخليفة - وبإرجاعه الناس إلى القرآن - كان يريد تعبدهم بالقرآن

--> ( 1 ) كما روي عنه استشارته للصحابة في خبر ميمون ، أنظر : أعلام الموقعين - لابن قيم - 1 / 62 .